ابن قيم الجوزية
518
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
رائحة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ولقد خدمت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عشر سنين . فما قال لي قط : أف . ولا قال لشيء فعلته : لم فعلته ؟ ولا لشيء لم أفعله : ألا فعلت كذا ؟ » متفق عليهما . وأخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أن البر : هو حسن الخلق » . وفي « صحيح مسلم » عن النواس بن سمعان رضي اللّه عنه قال : « سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن البر والإثم ؟ فقال : البر حسن الخلق . والإثم ما حاك في صدرك . وكرهت أن يطلع عليه الناس » . فقابل البر بالإثم . وأخبر : أن البر حسن الخلق . والإثم : حوازّ الصدور . وهذا يدل على أن حسن الخلق : هو الدين كله . وهو حقائق الإيمان ، وشرائع الإسلام . ولهذا قابله بالإثم . وفي حديث آخر « البر : ما اطمأنت إليه النفس ، والإثم ما حاك في الصدر » وقد فسر حسن الخلق بأنه البر . فدل على أن حسن الخلق : طمأنينة النفس والقلب . والإثم حواز الصدور ، وما حاك فيها ، واسترابت به . وهذا غير حسن الخلق وسوئه في عرف كثير من الناس . كما سيأتي في « الصحيحين » عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « خياركم : أحاسنكم أخلاقا » . وفي « الترمذي » عن أبي الدرداء رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق . وإن اللّه تعالى ليبغض الفاحش البذيء » قال الترمذي : حديث حسن صحيح . وفيه أيضا - وصححه - عن أبي هريرة رضي اللّه عنه « أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة ؟ فقال : تقوى اللّه ، وحسن الخلق . وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار ؟ فقال : الفم والفرج » . وفيه أيضا عن عائشة رضي اللّه عنها عن النبي صلى اللّه عليه وسلم - وصححه - « إن من أكمل المؤمنين إيمانا : أحسنهم خلقا . وخياركم : خياركم لنسائهم » . وفي الصحيح عن عائشة عنه صلى اللّه عليه وسلم « إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم » رواه أبو داود . وعن ابن عمر رضي اللّه عنهما عنه صلى اللّه عليه وسلم : « أنا زعيم ببيت في ربض الجنة : لمن ترك المراء وإن كان محقا . وببيت في وسط الجنة : لمن ترك الكذب وإن كان مازحا ، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه » رواه الطبراني وإسناده صحيح . فجعل البيت العلوي جزاء لأعلى المقامات الثلاثة . وهي حسن الخلق . والأوسط لأوسطها ، وهو ترك الكذب . والأدنى لأدناها ، وهو ترك المماراة ، وإن كان معه حق . ولا ريب أن حسن الخلق مشتمل على هذا كله . وفي « الترمذي » عن جابر رضي اللّه عنه عنه صلى اللّه عليه وسلم : « إن من أحبكم إليّ ، وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة : أحاسنكم أخلاقا . وإن من أبغضكم إليّ وأبعدكم مني يوم القيامة : الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون . قالوا : يا رسول اللّه . قد علمنا الثرثارون والمتشدقون . فما المتفيهقون ؟ قال : المتكبرون » الثرثار : هو كثير الكلام بغير فائدة دينية . والمتشدق : المتكلم بملء فيه تفاصحا وتعاظما وتطاولا ، وإظهارا لفضله على غيره . وأصله : من الفهق . وهو الامتلاء .